لماذا المخطط الجماعي ؟

تعد مدينة طنجة من أعرق المدن العالمية، و هي من المدن الذائعة الصيت منذ تأسيسها من قبل الملك سوفاكس ابن الأميرة طنجيس حوالي سنة 1320قبل الميلاد، و لذلك فهي دائما كانت محط أطماع من قبل العديد من الامبراطوريات ـ الفينيقيون ، الرومان ، الو ندال و البيزنطيون ـ إلى أن وصلها الفتح الاسلامي سنة 702 م، و تم الاعتماد عليها من

إقرأ المزيد
---------------------------------------------------------------

لماذا المخطط الجماعي ؟

               تعد مدينة طنجة من أعرق المدن العالمية، وهي من المدن الذائعة الصيت منذ تأسيسها من قبل الملك سوفاكس ابن الأميرة طنجيس حوالي سنة 1320 قبل الميلاد، ولذلك فهي دائما كانت محط أطماع من قبل العديد من الامبراطوريات ـ الفينيقيون، الرومان، الو ندال والبيزنطيون ـ إلى أن وصلها الفتح الاسلامي سنة 702 م، وتم الاعتماد عليها من قبل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب كمنطلق للفتوحات الاسلامية نحو أوربا منذ سنة 711 م . وبعد سنة 1471 م عرفت حالة نكوص أخرى بفعل توالي فترات الغزو الاسباني والبرتغالي ثم الانجليزي والتي امتدت حتى سنة 1684 م وهي السنة التي استرجع فيها السلطان مولاي اسماعيل مدينة طنجة من الانجليز واستعادت بالتالي دورها العسكري والدبلوماسي والتجاري كبوابة على دول البحر الأبيض المتوسط، فعرفت نهضة عمرانية كبيرة، فشيدت الأسوار والحصون والأبواب، وازدهرت الحياة الدينية والاجتماعية، فبنيت المساجد والكنائس والمعابد والقصور والنافورات والحمامات والأسواق، كما احتوت على منازل كبيرة خاصة بالمقيمين الأجانب، حتى أصبحت طنجة عاصمة دبلوماسية، ومدينة دولية يتوافد عليها التجار والمغامرون من كل الأنحاء. مع بداية القرن العشرين، وبسبب الظروف الدولية اتفقت فرنسا، اسبانيا والمملكة المتحدة على جعل المدينة منطقة دولية، ومع ذلك فقد كانت المدينة على موعد مع التاريخ حين أكد السلطان محمد الخامس على وحدة المغرب الترابية واستقلاله وشمولية سلطة الملك على مجموع تراب البلاد وعلى أن مستقبل المغرب مرتبط بالإسلام وبالعالم العربي وجامعة الدول العربية.
               رب مستفسر عن هذه الإطلالة القصيرة على تاريخ "عروس الشمال" الطويل؟، لكننا نؤمن أنه لايمكن أن نفصل الماضي عن الحاضر، ولايمكن أن نتحدث عن طنجة المستقبل دون الحديث عن مدينة عريقة ضاربة جذورها في عمق التاريخ. فطنجة اليوم بموقعها الجغرافي المثالي للاستثمار، وبفضل البنية التحتية الهامة التي تتوفر عليها، وضمنها ميناء طنجة المتوسطي وخط السكك الحديدية والمطار، والمناطق الصناعية واللوجستيكية يضاف إلى ذلك أنها مركز مالي للتجارة الخارجية. كل ذلك يجعل منها واحدة من أكبر مراكز الصناعة والتجارة والخدمات والمال في المغرب. إنها أشبه بالورش المفتوح بشكل مستمر ومتواصل حتى أن السياسة العمومية الوطنية مبنية بشكل كبير على هذه التحولات النوعية التي تعيشها طنجة خاصة خلال العقد الأخير. ولم يكن من باب الصدفة أن تكون طنجة من المدن السبعة الكبرى التي يطبق فيها نظام وحدة المدينة منذ الميثاق الجماعي 2002 وتقسم إلى أربع مقاطعات إعمالا لسياسة القرب.
               لكن، رغم كل ما تحقق، فإن التحديات المطروحة وطموحات ساكنة المدينة تتجاوز بكثير كل ذلك. اليوم فإننا بصدد فتح ورش "المخطط الجماعي للتنمية" والذي نسعى من وراء ذلك إلى فتح أوراش كبيرة للتنمية، التي لاسبيل إلى تحقيقها دون مقاربة تشاركية، ودون إدراك التحديات المطروحة على مدينة المستقبل. بالتأكيد أن هناك وعي كبير بأن المدينة التي كان من المعتاد أن تكون مأهولة حول المؤسسات الدينية أو مراكز السلطة السياسية، أضحت توجد فقط حيثما توجد بنية تحتية تدعمها. ومن الأكيد كذلك أن المدينة التي نأمل أن تكون طنجة، هي المدينة التي تحافظ على أصالتها وتاريخها الطويل وفي نفس الوقت تمنح قاطنيها وسكانها الأمل في حياة أفضل.

              إنها باختصار المدينة التي نحلم جميعا بتشكيلها، منتخبون، فاعلون في المجتمع المدني، قطاع خاص وعام، سلطة مركزية ومحلية. اليوم ومع انطلاق هذا الورش إنما نعطي الانطلاقة الحقيقية لورش الاستشارة على كافة الحساسيات السياسية المحلية والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والنسيج الجمعوي وعلى الخصوص الساكنة، وعلى الأخص الساكنة ذات الأوضاع الهشة (النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والشباب)، والمنظمات المساهمة في تشخيص واقع المدينة بتقديم المعلومات ورأيها حول ما يجب أن يكون عليه مستقبل المدينة…، بصفتهم شركاؤنا الحقيقيون في صياغة هذا المخطط، الذي أريد له أن يكرس قيم المواطنة واللامركزية والديموقراطية والحكامة المحلية الجيدة.

              علما أننا ما فتئنا نعمل على الانفتاح على محيطنا السوسيو اقتصادي والمواكبة التقنية للمخططات وإعمال مقاربة النوع الاجتماعي، دون إغفال البرامج والمخططات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة. هدفنا من وراء ذلك تحقيق أهداف النماء والفعالية الاقتصادية مع تلبية الحاجيات الإنسانية والاستجابة لأهداف الإنصاف والتماسك الاجتماعي بما في ذلك قضايا الولوج إلى الخدمات والمرافق الأساسية، دون إغفال الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية وتحسينها واستثمارها على المدى الطويل.
إن طنجة مثل باقي المدن الكبرى تعيش مشاكل عديدة، ومن أجل ذلك فإن هدفنا هو إدارة هذا المصير، وليس الاستسلام له وفق منطق ومنهجية تدبيرية جديدتين تتجاوز التدبير الإداري المحض وتأسس لتدبير استراتيجي عنوانه الحكامة الجيدة.